الراغب الأصفهاني

227

الذريعة إلى مكارم الشريعة

حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها « 1 » الآية . فبين أن الدين الحنيف وهو المستقيم قد فطر الناس عليه أي خلقهم عالمين به وأن المعاندين وإن قصدوا تبديله وإزالة الناس عنه لم يقدروا عليه وعلى ذلك قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً « 2 » وقال تعالى فيمن قويت فيه الصبغة والفطرة : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ « 3 » فسمى ذلك كتابا وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة » « 4 » وأما الشهادة المأخوذة عليهم فالناس فيها ضربان ضرب : أجالوا خواطرهم فيها حتى أدركوا حقائقها فصاروا كمن حملوا الشهادة فنسوها ثم تذكروها ولذلك قال تعالى في غير موضع : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 5 » وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ « 6 » وضرب : أهملوا أنفسهم ولم يشتغلوا بتذكر ما حملوا من الشهادة كما قال تعالى : وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ « 7 » فهم في الجهالة يتسكعون وعلى هذا حثنا اللّه تعالى على التذكر بقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ « 8 » الآية . وقال : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ « 9 » أي يسرنا القرآن ليكون سببا تتوصلون به إلى تذكر ما سبق من عهدكم . والتذكر على أضرب الأول : أن

--> ( 1 ) الروم / 30 . ( 2 ) البقرة / 138 . ( 3 ) المجادلة / 22 . ( 4 ) رواه مسلم عن أبي هريرة / مسلم كتاب القدر / 6 حديث 2658 . ( 5 ) البقرة / 221 . ( 6 ) إبراهيم / 52 . ( 7 ) الصافات / 13 . ( 8 ) المائدة / 7 . ( 9 ) القمر / 17 .